القرطبي

42

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كان نبيا ! والله ما كان إلا ساحرا ، فأنزل الله عز وجل : " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا . وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات ( 1 ) على لسان آصف كاتب سليمان ، ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان ، فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه ، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان ! وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان ، وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمي به فقال : " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " . قال عطاء : " تتلو " تقرأ من التلاوة . وقال ابن عباس : " تتلو " تتبع ، كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا . وقال الطبري : " اتبعوا " بمعنى فضلوا . قلت : لان كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره ، ومعنى " تتلو " يعني تلت ، فهو بمعنى المضي ، قال الشاعر : وإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان ( 2 ) وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخادم وذبائح أي فلقد كان . و " ما " مفعول ب‍ " اتبعوا " أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته . وقيل : " ما " نفي ، وليس بشئ لا في نظام الكلام ولا في صحته ، قال ابن العربي . " على ملك سليمان " أي على شرعه ونبوته . قال الزجاج : المعنى على عهد ملك سليمان . وقيل : المعنى في ملك سليمان ، يعني في قصصه وصفاته وأخباره . قال الفراء : تصلح على وفي ، في مثل هذا الموضع . وقال " على " ولم يقل بعد لقوله تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول

--> ( 1 ) اختلفت الأصول في رسم هذه الكلمة ، والذي في القاموس : " النيرنج " قال شارح القاموس : " هكذا في سائر النسخ ، والمنقول عن نص كلام الليث : " النيرج " بإسقاط النون الثانية . وكذا ورد في اللسان . وهو أحد كالسحر وليس به ، إنما هو تشبيه وتلبيس " . ( 2 ) الكوم ( بالضم ) : جمع كوماه ، وهي الناقة العظيمة السنام . والهجان من الإبل : البيض الكرام .